الأربعاء، 19 أكتوبر 2011

أبي ـ رحمه الله ـ والقتلة!!

أبي.. يرحمه الله، آمين، كان رجلاً مسالمًا، أحببتُ فيه طيبته، صبره، لم يصبني مللٌ حين يسمعني قصص معاناته صغيرًا من أبيه، أو شابًا من رؤسائه في عمله، حينما يروي لي بطولاته وسجالاته... رغم أني سمعتها منه للمرة المليون.. 

كان صبورًا، طيبَ القلبِ، أذكر له يومًا مررتُ فيه بضائقة مالية شديدة، وأغلقت دوني الأبواب، وإذ به يتصل بي، يسألني : أشرف.. مالك؟ أجبته: الحمد لله يا والدي. قال: وأنا اليوم في ميدان الساعة، كنتُ أسمعُ صوتك يناديني: بابا... بابا.. ، فهل أنت بخير؟!! فقلت له : أني في ضائقة!! قال: تعالى وخد اللي انت عايزه!! هذا هو أبي.. مَنْ شعر بضيقي.. فمن يشعر اليوم بي.. مَنْ سيتصل بي يسألني: أشرف.. مالك؟

أبي.. قتلوه بدم بارد.. ألا قتلهم الله وشتت شملهم.. 
أبي دخل العناية المركزة بمستشفى جمال عبد الناصر بالإسكندرية، يعاني من سدة رئوية، عافاكم الله، وبعد حوالي الأسبوعين، تعافى بعض الشىء، وأخرجوه من العناية المركزة إلى العناية المتوسطة، والتي لم يكن لها حظًا من اسمها، فلم تكن فيها عناية على الإطلاق
وضعنا أبي في سريره، وتركناه بين أيديهم، معتقدين بأنها عناية، ويوم أو اثنين، تحت الملاحظة، ويخرج لنا معافى، بإذن الله.
عندما جئنا لزيارته في اليوم التالي، وجدناه في حالة متردية، قال لنا المريض الذي بجواره، أن أبي لم يأكل شيئًا من أمس، وجدت أبي يلهث من شدة احتياجه للأكسجين، وضعت له قناع الأكسجين، وهو لا يريده، استغربت من رفضه وضع قناع الأكسجين على وجهه، وكانت المفاجأة، ليس هناك أكسجين يخرج من ماسك الأكسجين.. تكلمت مع الممرضة (وهي تشبه في بلادتها بلادة البائعين في محلات القطاع العام)، قالت : السنتر عطلان، وهاتصل بيهم.. طب يا ستي هاتي أنبوبة أكسجين، قالت مفيش ، أنا خلاص قلت لهم يصلحوا سنتر الأكسجين.
جُنَّ جنوني، اتصلت بالنجدة، ونزلنا لمدير المستشفى، الذي تكرم مشكورًا بأن أرسل طبيبًا (بعدها بساعة) وقال إنه هايهتم بنفسه بحالة والدي لغاية المغرب ، وصدقته، ومشيت..
وفي الفجر.. اتصلوا بي تليفونيًا، بأن أذهب إلى مستشفى جمال عبد الناصر الآن، عشان أوافق على نقل والدي إلى العناية المركزة بمستشفى فيكتوريا الخاصة!!!
وهناك استمر مسلسل العذاب حوالي الخمسين يومًا، رأيت فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر!!
وضعوا والدي على جهاز تنفس صناعي، وبدأت حالته تستجيب، وشكله أصبح أفضل.. ولم يستمر ذلك سوى يومين.. وقالوا لابد أن يتم عمل شق حنجري ، وبدأت الحالة تتدهور.
طوال هذين اليومين، كنت معتقدًا أننا على الطريق السليم.. وليس في الإمكان أبدع مما كان، إلا أن ابن المريض الذي يجاور سريره سرير والدي في العناية، قال: هاتوا طبيبًا على حسابكم يشوف حالة أبيكم.. بالفعل جبت طبيبًا من مستشفى المبرة، جاء سيادته، وفجر لي مفاجآت.. تتمثل في الآتي:

(1) تم وضع والدي على جهاز التنفس الصناعي.
(2) تم عمل شق حنجري
(3) تدهورت حالة والدي بشكل دراماتيكي، اضطررنا معه إلى إحضار طبيب من خارج المستشفى، قرر الآتي:
  • وجود خطأ مهني من المستشفى في تركيب أنبوبة التنفس، أدى إلى إحداث ثقب في الرئة، مما أدى إلى دخول هواء في القفص الصدري حول الرئة، وقال إن هذا خطأ ينبغي ألا يحدث، لأن المتبع هو عمل أشعة بعد تركيب الأنبوب للتأكد من سلامة وضعه.
  • إصابة والدي بالتهاب رئوي شديد نتيجة لعدوى من العناية، وطلب منا عمل مزرعة (المستشفى لم تقم بعمل مزرعة لوالدي رغم وجوده بها لمدة تزيد على الأسبوعين) وكانت المفاجأة التي فجرها طبيب المعمل ألا وهي أن المضاد الحيوي المستخدم ضعيف جدًا، وتم عمل المزرعة، والنتيجة كالتالى:
Culture yielded mixed growth of Pseudomonas aeruginosa and ESBL Enterobacter
Both organisms are resistant to all tested anti microbials . 
  • كتب الطبيب الذي أحضرناه من خارج المستشفى، روشتة علاج بالأدوية التالية: 
    •  Tazocin 0.5gm
    • Vancomycine 0.5gm
    • Amikin 0.5gm
  • على أن يستمر أخذ هذه المضادات الحيوية حتى تظهر نتيجة المزرعة. 
    • ولكن جاءت نتيجة المزرعة مخيبة للآمال، لذا اقترح الطبيب المعالج (الذي أحضرناه على حسابنا من خارج المستشفى) بأن يتم زيادة الجرعة وإطالة مدة العلاج بالمضادات الحيوية الموصوفة، مع عمل تحليل وظائف كلى يوميًا صباحًا ومساءً. مما اضطررنا إلى عملها على حسابنا لرفض المستشفى القيام بها، ونشتري الأدوية بحوالي 400 جنيه يوميًا !! رغم أن المزرعة تقول أن الميكروب لم يستجب لأي مضاد حيوي تم استخدامه في المزرعة.
    ــ وللحديث بقية ــ

    ليست هناك تعليقات:

    إرسال تعليق